ورد موضوع الخلق من ضلع في صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد بن حنبل. وعلاوة على ورود خلق حواء من ضلع آدم في كتب الأحاديث هذه فقد ورد أيضا في سورة النساء في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)(النساء:1)
هنا نجد ضمير "الهاء" الراجع إلى النفس وليس إلى آدم. ونرى هذا أيضاً واضحاً في آية أخرى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوجَهَا) (الزمر: 6). لنقف هنا حول هذا التعبير. إذن فإن الله تعالى لم يخلق حواء من آدم، بل من ماهية آدم، وهذه ناحية دقيقة جداً. فنفس آدم غير ماهية آدم. فمثلاً يقال عن إنسان أنه بطول كذا وبوزن كذا وبملامح كذا.. ثم لهذا الإنسان ماهية وعالم ظاهري وعالم داخلي وفكر وقرب من الله أو بُعد عنه. فإذا تم تناول الإنسان من زاوية ذاته فيجب تناوله من الناحية الثانية أي من ناحية ماهيته، لأن الناحية الأولى ليست سوى مجرد هيكل. إذن فذات الإنسان ونفسه بهذا المعنى شيء، وجسده شيء آخر. وعندما يتناول القرآن موضوع خلق حواء يقول إنها خلقت (منها) أي من (نفس) آدم وليس من آدم.
كما أن الحديث الوارد في هذا الخصوص ليس متواتراً بل حديث آحاد لذا وجب شرحه بالآيات. وهذا أصل مهم من أصول إيضاح الآيات والأحاديث. فالآية هنا متواترة وهي كلام الله، لذا وجب إرجاع الحديث إلى الآية لشرح نواحيه المبهمة. ومن المهم إيضاح الأجواء المحيطة بهذا الحديث الشريف والقاعدة التي استند إليها، إذ يجب الانتباه إلى هذا الأمر.
فالرسول صلى الله عليه و سلم يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خُلقنَ من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً".[1]
إذن فسبب إيراد هذا الحديث أو المناط هنا هو تربية النساء وسياسة البيت. أجل! فإن أردت إصلاح المرأة بسرعة واستعجال كسرتها، وإن أهملت إصلاحها بقيت كما هي. والرسول صلى الله عليه و سلم عندما يريد شرح هذا الموضوع يشير إلى ناحية مهمة وهي أن المرأة أكثر قابلية من الرجل للاعوجاج. وهي أكثر رقة وأكثر قابلية على الانكسار. إذن فإن الشيء الذي يريد الحديث الشريف شرحه ليس خلق حواء من ضلع آدم، بل الإشارة إلى أن المرأة إن تركت لحالها بقيت عوجاء، وإن تمت محاولة تعديلها بسرعة انكسرت.
ولا شك أن إيراد العبارة بهذه الصيغة له حكمة. فالرسول صلى الله عليه و سلم عندما يورد هذا الحديث يقول "من ضلع"، ويأتي "من" في العربية أحياناً بمعنى التبعيض أي جزء من شيء، أو بعض هذا الشيء. ويأتي بمعنى "البيان" أحياناً، أي من جنس هذا الشيء. لذا فبما أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يحدد المسألة تماماً فإنها تتحمل أوجهاً عديدة من المعاني.
والآن لنتأمل حديث الرسول صلى الله عليه و سلم في ضوء معنى الآية. المرأة خُلقت من ضلع آدم، أي أن المرأة جزء من الرجل، أي من جنسه، أي من نفس خواصه الوراثية. ولو لم يكن الرجل والمرأة من جنس واحد لما كان هناك إمكانية التناسل فيما بينهما، لأن الآية تستمر هكذا

وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) (النساء: 1) أي لو كانا جنسين مختلفين لما حدث التناسل بينهما، إذن يجب أن يكون من الجنس نفسه. وكلمة "الضلع" الواردة في الحديث يفيد معنى الميل للعوج وسهولة الاعوجاج أكثر من معنى الاعوجاج نفسه.
[1] البخاري، النكاح، 80
_________________
